محمد غازي عرابي
971
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وهو السماء كما قال سبحانه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصّلت : 11 ] ، وكنا تحدثنا عن السديم الأول الذي تم انفجاره منذ ملايين السنين ، فبدأ تكون الأجرام بتكثف السديم ، وقلنا في تركيب السديم إنه نور قديم ، ثم كان طاقة لطيفة ، ثم كان أشعة ، ثم كان جسيمات بالغة الصغر لا ترى بالعين تكون تارة موجات ضوئية ، وطورا جزئيات مادية هي أساس تركيب عالم الذرة ، فالدخان على التحقيق النشاط الإلهي لدى تكثفه وتبلوره وظهوره في الصور والأشكال الوجودية ، ولهذا كان سبحانه الباطن من كل شيء ، وباطن كل حي ، والباطن من العقل والعاقل والمعقول . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 11 إلى 15 ] يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 11 ) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ( 13 ) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ( 14 ) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ ( 15 ) [ الدخان : 11 ، 15 ] الكشف كشف جوهر الدخان الذري ، وحقيقته هو كشف العذاب ، لأن العذاب هنا البعد عن اللّه وعدم معرفته ، وكلما أوغلت العلماء في البحث اقتربوا من التوحيد وحقيقة التوحيد ، إلا الذين ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، فالعلم يهدي إلى الإيمان إن كان العالم منور البصيرة ، وإلا فالعلماء في حيرة يعمهون . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 16 إلى 38 ] يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ( 16 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 32 ) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ ( 33 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ( 34 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 36 ) أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 37 ) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) [ الدخان : 16 ، 38 ] تتحدث الآيات عن الذين أنعم اللّه عليهم وعن المغضوب عليهم ، ويجري الحواريين موسى باعتباره ممثل اسمه تعالى الهادي والمنعم وبين فرعون وقومه باعتبارهم المغضوب